هلال بن محسن الصابي

381

الوزراء

القهرمانة فجلست على مسورة « 1 » ، واستدعت من خادمها منديل حوائجها ، فابتدأت تعرض رقعة لبعض الحشم في زيادة دينار في نزله « 2 » ، ولبعض الخدم في زيادة يسيرة في رزقه ، وأنا والجماعة نتميّز غيظا من قطعها إيانا عن مثل هذا الأمر العظيم الحديث بمثل هذه الصغائر المضرّة بالمال . ثم رميت بالرّقعة ، وعطفت على القوم ومشاورتهم ، فقالت : هكذا يفعل بحوائج السادة ؟ فقلت : يا هذه ، نحن في حراسة الأرواح وحفظ أصول الملك ، وقد شغلتنا عنه بما لا فائدة فيه . فقالت : وما هذا الشغل كلّه ؟ قلت : مصر قد أشرفت على الذهاب والخروج عن يد السلطان وغلب المغربىّ منها على مواضع الارتفاع ، وإن تمّ - ونعوذ باللّه من ذاك - ما نخاف فقد مضى المغرب كلّه ، ثمّ لاقرار على البساط بعده . فقالت : بظر أمّ مصر ، ومتى كانت في يد السلطان حتى يغتمّ عليها إذا أخذت ؟ فورد علىّ من قولها ما أدهشني . فقلنا له : فما كان الجواب عن هذا الجهل ؟ قال : قلت لها : بمثل هذا أدبر أمر الدنيا . ونهضت مغضبا ، وتفرّق القوم ، وقد شاهدوا وسمعوا عجبا . وحدث عبد الرحمن قال : حدثني محمد بن يحيى الصولي الشّطرنجى قال : لما مضت مدّة من وزارة الوزير أبى الحسن علىّ بن عيسى وانتقل الحواشى وخدم الدار عما ألفوه مع أبي الحسن بن الفرات وأبى علىّ الخاقاني من بسطهم وبلوغ أغراضهم وزياداتهم في أنزالهم وأرزاقهم إلى ما رأوه في أيام أبى الحسن من الضبط وتجعّد الكفّ [ و ] اليد ، ووضع الأمور مواضعها وحفظ الأموال عما يتخرّمها « 3 » ويتحيّفها « 4 » ، ثقل على الجماعة أمره واتّفق أن دخل في بعض الأيام إلى دار السلطان فحذف في بعض الممرّات برقعة وقعت في صدره ، ولم يدر من رماه بها ،

--> ( 1 ) المسورة متكأ من جلد . ( 2 ) النزل من معانيه العطاء . ( 3 ) يتخرمها : يهلكها . ( 4 ) يتحيفها : يتنقصها ويأخذ من جوانبها .